الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

212

تفسير روح البيان

الآية لما طعن اليهود في نسخ القبلة - روى - انه عليه السلام كان يصلى بمكة مع أصحابه إلى الكعبة فلما هاجر إلى المدينة امره اللّه ان يصلى نحو بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود فصلى نحوه ستة عشر شهرا وكان يقع في روعه ويتوقع من ربه ان يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأقدم القبلتين وادعى للقرب إلى الايمان كما قال اللّه تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها وذلك في مسجد بنى سلمة فصلى الظهر ولما صلى الركعتين نزل قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فتحول في الصلاة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين فلما تحولت القبلة أنكر من أنكر فكان هذا ابتلاء من اللّه تعالى كما قال تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ اللهم اهدنا وسددنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فللمؤمن حقا ان يعتصم باللّه ويدور مع الأمر الإلهي حيث يدور ويتبع الرسل ولا يتبع عقله العاجز وفهمه القاصر ويتعلم الأدب من معدن الرسالة حيث لم يسأل تحويل القبلة بل انتظر إلى امر اللّه فأكرمه اللّه بإعطاء مرامه وفضله على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام * اعلم أن الذين شقت عليهم التحويلة طائفتان محجوبتان بالخلق عن الحق * اما الطائفة الأولى فقد عرفت ان التحويلة من الكعبة إلى بيت المقدس كانت صورة العروج من مقام المكاشفة اعني مقام القلب إلى مقام المشاهدة اعني مقام الروح فحسبوا التحويلة من بيت المقدس إلى الكعبة بعد ابعد القرب ونزولا بعد العروج وظنوا ضياع السعي إلى المقام الأشرف والسقوط عن الرتبة فشق عليهم ولم يعلموا انه صورة الرجوع إلى مقام القلب حالة التمكين للدعوة ومشاهدة الجمع في عين التفصيل والتفصيل في عين الجمع حتى لا يحتجب العبد بالوحدة عن الكثرة ولا بالكثرة عن الوحدة * واما الطائفة الثانية فتقيدوا بصورة عملهم ولم يعرفوا حكمة التحويلة فحسبوا صحة العبادة الثانية دون الأولى فشق عليهم ضياعها على ما توهموا * واما الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى فلم يحتجبوا بحجاب واهتدوا إلى ما هو الصواب فوصلوا إلى التوحيد الذاتي المحمدي اللهم اجعلنا من المهتدين واحشرنا مع الأنبياء والمرسلين * وقال أهل التأويل وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى عالم النور والظهور الذي هو جهة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه وعالم الظلمة والاختفاء الذي هو جهة اليهود وقبلتهم بالحقيقة ظاهره فَأَيْنَما تُوَلُّوا اى أي جهة توجهوا من الظاهر والباطن فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ اى ذاته المتجلية بجميع صفاته الجمالية والجلالية إذ بعد الاشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم فيه والقروب فيها بتستره واحجابه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء فأي جهة توجهوا حينئذ فثم وجهه ليس الا هو وحده : قال الحافظ ميان كعبه وبتخانه هيچ فرقى نيست * بهر طرف كه نظر ميكنى برابر اوست واعلم أن شهود الحق بالخلق وشهود الخلق بالحق من غير احتجاب بأحدهما عن الآخر هو مقام جمع الجمع والبقاء وذلك لا يحصل الا بالتجلي العيني بعد العلمي * قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره وإذا امر بالإرشاد يعود لخدمة الحق ألا يرى أن موسى عليه السلام